خطَّة صلاح الدين العسكرية
الخطوات التي سبقت فتح القدس
تجلَّت مقدرة صلاح الدين الحربية في تلك الخطَّة العسكرية؛ التي اتَّبعها في جهاده ضدَّ الصليبيين؛ لاسترداد بيت المقدس، وقامت تلك الخطَّة على تكوين جبهة إسلامية موحَّدةٍ، تضمُّ مصر، وبلاد الشام، وأجزاء من العراق، ثمَّ منازلة الصَّليبيين في عقر دارهم، وإنزال ضربةٍ قويةٍ بهم، كما حدث في معركة حطِّين. وتلا ذلك مسيره إلى مدن السَّاحل الشامي لإضعاف الصليبيين مادياً، ومعنوياً. ولو اتَّجه صلاح الدين عقب انتصاره في حطِّين إلى بيت المقدس؛ لتمكَّن من دخوله بدون عناء، إلا أنَّ استيلاءه على بيت المقدس قبل السيطرة على مدن السَّاحل لن يضمن له الاستقرار التام في بيت المقدس؛ إذ كان من المتوقع قيام الغرب الأوروبي بإرسال الجيوش الصليبية إلى موانئ الشام، ومجيء فرسانه زرافاتٍ، ووحدانا، والدُّخول مع صلاح الدين في معارك حامية لاسترداد بيت المقدس؛ الذي فيه كنيسة القيامة؛ لاعتقادهم الباطل كما يقول العماد الأصفهاني: إنَّ فيها صلب المسيح، وقُرِّب الذبيح، وتجسَّد اللاهوت، وتألَّه الناسوت، وقام الصليب.
البعد الإعلامي
كانت تلك الحشود العسكرية الإسلاميَّة قد شاركت صلاح الدِّين في معركة حطين، واستغلَّ صلاح الدين وجودها في الشام قبل عودتها إلى إقطاعاتها في السَّيطرة على مدن، وموانئ السَّاحل، وحرص صلاح الدين على أن يسبق مسيره إلى بيت المقدس حملةٌ إعلاميةٌ إلى كافَّة أطراف العالم الإسلامي بقصد استنفار المسلمين للجهاد، الأمر الذي ثارت معه عزائم المسلمين بالعزم على الجهاد، والاشتراك في تطهير تلك البقعة المقدَّسة أولى القبلتين، وثالث الحرمين، ومسرى محمد (أحمد شامي، صلاح الدين والصليبيون، ص 209).
استدعاء القوات المصرية
ومن ناحيةٍ أخرى، فقد استدعى صلاح الدين القوات المصرية أثناء قيامه بالاستيلاء على السَّاحل لمساعدته في الاستيلاء على المدن، والقلاع الجنوبية، واجتمع بابنه الملك العزيز عثمان في عسقلان، فقرَّت به عينه، واعتضد بعضده.
الحصار والقتال
كان الصليبيون قد بدؤوا القتال قبل تمركز جيش المسلمين حول أسوار المدينة، وذلك عندما تقدَّمت مفرزةٌ من طليعة الجيش الإسلامي نحو الأسوار بقيادة الأمير جمال الدين شروين بن حسن الرازي، فخرجت إليها مفرزةٌ من حامية المدينة، فقاتلتها، وهزمتها، وقتلت أميرها (أبو شامة المقدسي، كتاب الروضتين، 2/92).
الهجوم الحاسم
قرَّر صلاح الدين أن يشنَّ هجوماً حاسماً على المدينة، وكثَّف رمايات المجانيق، مغطياً تقدُّم المهاجمين بحجارتها، وسيل من السِّهام، والنبال يطلقها الرُّماة نحو المدافعين عن السُّور، والحصون؛ لكي تشلَّ مقاومتهم ممَّا جعل أولئك المدافعين يتراجعون عن مراكزهم، بينما تقدَّم المسلمون، واجتازوا الخندق الخارجي المحفور حول السُّور، ثم التصقوا به وعملوا به نقباً، وتهديماً، واشتد قصف المجانيق، وتوالى رمى السِّهام، والنبال من الرُّماة المتقدِّمين خلف المهاجمين يحمونهم، ونجح المهاجمون في فتح ثغرات عديدة في السُّور؛ الذي أوشك أن يصبح ملكاً للمهاجمين، وفي وقت ما من تاريخ 29 سبتمبر/أيلول 1187 استطاع المهاجمون فتح "ثغرةٍ كبيرة" في السُّور نفذ منها المسلمون، ورفعوا راياتهم عليه، إلا أنَّ المدافعين ما لبثوا أن احتشدوا، وردوا المسلمين عن السُّور، ورغم ذلك فقد أيقن المدافعون أن لا جدوى من دفاعهم، وأنَّهم مشرفون على الهلاك، بل إنَّهم هالكون حتماً؛ إن هم استمروا في عنادهم، وتزاحم الناس في الكنائس للصَّلاة، والاعتراف بذنوبهم، وأخذوا يضربون أنفسهم بالحجارة، ويرجون المدد، والرَّحمة من الله، وقطعت النِّساء شعور بناتهنَّ على أمل استثارة الرِّجال لحمايتهنَّ من سبي المسلمين لهنَّ (يوسف النبهاني، مفرج الكروب، 2/213).
دخول صلاح الدين بيت المقدس
تمَّ الاتفاق بين صلاح الدين، وباليان، على تسليم المدينة وفقاً للشروط التي ذكرناها، ودخلها صلاح الدين يوم الجمعة في 27 رجب 583 هـ وذلك بعد أن أعطى بالباب الأوامر لحاميتها بإلقاء السِّلاح، والاستسلام لجند المسلمين، وكان يوماً مشهوداً ورفعت الأعلام الإسلاميَّة على أسوار المدينة المقدَّسة. وقد استمرَّ حصار صلاح الدين للمدينة 12. وبسقوط القدس انهارت أمام صلاح الدين معظم المدن، والمواقع التي كانت لا تزال تحت سيطرة الصَّليبيين في معظم أنحاء بلاد الشام، ودخل صلاح الدين القدس في 27 رجب وكانت ليلة الإسراء، فأمر بأن يوضع على كلِّ بابٍ من أبواب المدينة أمير من أمراء الجيش لكي يتسلَّم الفدية من الصليبيين الخارجين من المدينة، ويحتسبها. وكان في المدينة 60 ألف رجل ما بين فارس، وراجل، سوى من يتبعهم من النِّساء، والولدان (ياسين سويد، حروب القدس في التاريخ الإسلامي، ص 106).
